الأحد، يناير 29

الأسباب الموضوعية للثورة والتغيير (١ ــ ٣)


   تاريخ العدد       الخميس   ٢٦   يناير   ٢٠١٢     عدد    ٢٧٨٣


 بقلم   د. أحمد جمال الدين موسى    ٢٦/ ١/ ٢٠١٢
فى السنوات القليلة التى سبقت ثورة ٢٥ يناير المجيدة، لم يكن غائبا عن وعى كل مصرى مخلص المأزق التى تسير إليه البلاد، وتردى المناخ المسيطر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، والتغليب الظاهر غير المنطقى لاعتبارات الجمود على الضرورة الملحة للتطوير والإصلاح. لقد عبر المخلصون المتجردون من المصلحة والهوى ــ وأنا من بينهم ــ عن ذلك، سواء فى اجتماعات رسمية، أو فى آراء منشورة لم تتوقف على مدى تلك السنوات.



فى جلسة مجلس الوزراء بتاريخ ١٤/١٢/٢٠٠٥، طرح الدكتور أحمد نظيف تساؤلا يشغله هو: لماذا لا ينظر رجل الشارع بإيجابية للحكومة رغم التحسن الكبير فى المؤشرات الاقتصادية؟ وهنا طلبت الكلمة التى أكدت فيها أنه مهما كانت أهمية التحسن فى المؤشرات الكمية كمعدل النمو ومعدل تدفق الاستثمار الأجنبى، فإن الشعور بتحسن الحال لا يتوقف على ذلك بقدر ما يتوقف على التحسن الكيفى المتمثل فى تحقيق مبدأ المساواة بين المواطنين على أرض الواقع وإنفاذ القوانين وتحسين فرص الحراك الاجتماعى وتحقيق عدالة توزيع الدخول وتحسين أوضاع المرافق العامة خاصة التعليم والصحة، وهى جميعاً تحتاج إلى اهتمام حكومى مخلص، لأنها أكثر أهمية من مجرد تحسن نقاط بعض المؤشرات الكمية. هذه المداخلة كانت محل تحفظ من البعض، خاصة كبير الوزراء الاقتصاديين الذى أكد أنه على العكس لابد من استكمال إيجابيات السياسة الحالية لمزيد من الخصخصة وإعادة صياغة قوانين التأمين الاجتماعى والتأمين الصحى وتخفيض البيروقراطية. وكانت هذه آخر جلسة أحضرها فى تلك الحكومة.

فى ٨ مارس ٢٠٠٦ وبعد خروجى من الوزارة بشهرين فقط، بدأت نشر سلسلة من المقالات فى «الأهرام» ثم فى «المصرى اليوم» تدعو للإصلاح المؤسسى بمعناه الشامل، لعل التذكير ببعض عناصرها يبين أسباب التردى التى كانت جلية واضحة، إلا لمن أصابت أعينهم غشاوة من التعنت والغرور، كما أنه قد يكون هاديا يرشدنا لخطوات بناءة تحقق أهداف الثورة فى الحرية والتنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

فى أول هذه المقالات نبهت إلى أن «حاجة مؤسساتنا للإصلاح حاجة حقيقية مرتبطة بطموحاتنا لتطوير أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. فالبعد المؤسسى حاسم فى تحقيق تنمية مستدامة بما تنطوى عليه من ضمان حقوق ملكية محمية بقواعد القانون وإنفاذ غير متحيز للالتزامات القانونية، من خلال قضاء مستقل ولوائح حكومية تشجع المنافسة الشريفة ومشاركة فعالة لأفراد المجتمع فى إدارة شؤونه دون عوائق أو تمييز ونظم مالية واقتصادية وإدارية تعمل فى إطار الشفافية وعدم المحاباة‏».

وأشرت إلى أن واجب المصلحين المخلصين هو العمل على «تقليل مقاومة الإصلاح وتقليص دور القوى ــ سياسية كانت أو بيروقراطية ــ المستفيدة من الأوضاع القائمة، وهى التى يفسر أفرادها المشروع الإصلاحى كاتهام أو تقليل من قدر معرفتهم أو قدراتهم أو الثقة المفترضة فيهم، فضلا عن مخاطره على المنافع والريوع التى يستأثرون بها‏.‏. وبالتأكيد، فإن مقاومة الإصلاح ستكون أقل فى مواجهة التغيير المؤسسى البسيط ولكنها ستكون أكثر جلاء وخطورة فى مواجهة السياسات الواسعة للإصلاح».

وفى ٢٢ مارس ٢٠٠٦، أوضحت أننا «نحتاج إلى تغيير الطبيعة السلطوية القائمة على المركزية الشديدة.. ومن ثم يتغير المجتمع المحكوم بالدولة تدريجيا إلى مجتمع مدنى حقيقى قائم على مشاركة فاعلة من الأفراد فى إدارة الشؤون العامة مع تمتعهم بالتقدير والثقة فى النفس‏، وبما يقلل فرص الفساد الذى يدمر بشدة آليات بناء النظام المؤسسى الكفء، ويهدد الاستقرار الاجتماعى، ويقلل توقعات الناس بشأن جدوى الإصلاح‏. وأكدت أنه «ينبغى أن يكون شعارنا فى الفترة المقبلة هو الإصلاح والتطوير وليس الاستقرار والثبات لأن التطورات الأخيرة خاصة انتخابات مجلس الشعب (عام ٢٠٠٥) أظهرت رغبة الشعب فى التغيير‏، وعدم رضائه عن كثير من الأوضاع والنظم المؤسسية التى تحيط به‏، فواجب الدولة أن ترهف السمع لأوجاع المواطنين، وأن تزيح عن كاهلهم القيود التى تحد من قدرتهم على تحسين مستوى رفاهيتهم وإشباع حاجاتهم الأساسية وطموحاتهم المشروعة».

وفى مقال بعنوان «الوقت والإصلاح» نشر فى أكتوبر ٢٠٠٦ قلت إن «المراقب لأحوالنا يشعر الآن بأن أوان الإصلاح قد حل بالفعل وأصبح هو المخرج الوحيد من مأزق نشعر به جميعا‏، ولهذا يجب ألا ننظر لقضية الإصلاح بدءا من مفهوم ستاتيكى ساكن يغفل عنصر الوقت وأهمية حساب تأثيره على أوضاعنا‏، والفجوة التى تنجم عن ثبات تلك الأوضاع فى ظل تحرك الآخرين. فوقت التطوير والإصلاح قد أزف، والتأخير فى الشروع فيه له ثمنه‏. ‏. وله انعكاسات وتأثيرات لا مراء فيها على مستقبل بلدنا.. والإصلاح الذى يمكن أن يتم فى الوقت الحالى أيسر وأجدى من ذلك الذى سيتم فى وقت لاحق‏، فغياب الإصلاحات اليوم يجبرنا على القيام بها غدا أو بعد غد فى ظروف أكثر صعوبة وأقل تحملا، وفى ظل متغيرات غير مؤكدة قد تعصف بفرص نجاحها‏».

وحول مضمونه، أوضحت أن «الإصلاح الحقيقى هو الذى يعلى من شأن الموضوعية والنزاهة والتجرد عن المصلحة الخاصة الفجة، ويحارب المحسوبية والفساد مهما كان صغيرا أو تافها ومهما اتخذ من أشكال مباشرة أو غير مباشرة، وهو الذى يستهدف رفع الكفاءة وتحسين القدرات، سعياً لزيادة مستويات الدخول وتحقيق رفاهٍ حقيقى لأفراد الشعب الفقراء قبل الأغنياء ولأصحاب الدخول الحقيقية الناتجة عن العمل والسعى والكد والمخاطرة الإيجابية وليس لأصحاب الدخول الريعية الناتجة عن ظروف وأوضاع تغلب عليها السلبية أو الفهلوة أو الفساد والانتهازية‏».

وفى مقال بتاريخ ١٠ ديسمبر ٢٠٠٦، سخرت من التوجه الحكومى القائم على فرض ساذج هو أن مجرد ارتفاع معدل النمو «سيؤدى خلال بضع سنوات إلى زيادة الإنتاج والتصدير واستيعاب الجانب الأكبر من العاطلين ورفع مستوى الدخول».
وطالبت بتفسير فجوة المشاعر بين الشعب والحكومة من خلال تجاوز المؤشرات الكمية، التى يروج لها باعتبارها الهدف الأسمى للسياسة الحكومية، إلى «سياسات أكثر جدية فى مجال توزيع الدخل القومى ومدى استفادة أغلبية المواطنين من ثمار النمو الاقتصادي‏، وبيان هل تزيد مع الوقت الفجوة بين الأغنياء والفقراء أم تقل، وكذلك بيان مدى النجاح فى تحسين أوضاع الحراك الاجتماعى، وتأكيد حق كل مواطن فى أن يرتقى السلم الاجتماعى وينال الوظيفة والمكانة التى يستحقها وفقا لقدراته وإمكاناته واجتهاده وليس بسبب أصوله أو علاقاته أو التوصيات التى يحملها، وكذلك مدى توافر الحقوق الاجتماعية الأساسية للمواطنين كالحق فى الرعاية الصحية والتعليم الأساسى والتأمين الاجتماعى وما مدى توافر المرافق الأساسية التى لا غنى عنها للحياة المعاصرة‏؟». وهو ما سبق أن عبرت عنه وسجلته مضابط مجلس الوزراء.