الأربعاء، ديسمبر 14

شركاء فى هذا الوطن

 بقلم   د. أحمد جمال الدين موسى    ١٠/ ١/ ٢٠١١


كتب د/ احمد جمال الدين مقال بعنوان شركاء هذا الوطن والذي نشر بجريدة "المصري اليوم "بتاريخ 10 يناير 2011 ...



التغيير الذى تنشده الشعوب الناضجة هو التغيير إلى الأمام، أى نحو الأفضل إنسانياً وحضارياً ومادياً، ولذلك فإن بشاعة الحادث الإرهابى فى الإسكندرية، ليلة رأس العام الميلادى الجديد، تدعونا، ليس فقط على مستوى المجتمع، بل أيضا على المستوى الفردى، لأن نراجع أنفسنا ونتساءل: هل نحن نسير فعلا على الطريق السليم ونتطور نحو الأفضل، أم أن هناك انتكاسة ما تشدنا خارج طريق الصواب، خاصة فى مجال التآلف والتعاضد الوطنى؟


إذا كانت الجريمة الإرهابية البشعة من تدبير وتنفيذ عناصر خارجية أو داخلية، ساءت نيتها نحو مصر، وعميت بصيرتها عن أى احترام للقيم الدينية أو الإنسانية، ويتعين التوصل إليها ومعاقبتها إن عاجلا أو آجلا، فإن الأكثر خطورة على مستقبلنا هو تنامى مشاعر التوتر والحساسية الطائفية بين عناصر المجتمع، مقارنة بما كان الوضع عليه منذ عقود أو سنوات قليلة سلفت.

والسؤال هو: لماذا خرجنا عن المساق وتولدت لدى بعضنا مشاعر عدم الارتياح والإحساس بالظلم والتمييز؟ هل يعود ذلك لانتشار تيارات فكرية جديدة بين الناس؟ أم للسياسات الحكومية غير المناسبة؟ أم لتغير سلوك المصريين نتيجة ضغوط الحياة المتزايدة وعدم الاهتمام بمشاعر واحتياجات الآخر؟

عندما أستعرض على المستوى الشخصى -كممثل لجيلى- علاقتى بالمسيحى، أخى فى الوطن وفى الإنسانية، أجد أن مسألة التفرقة والتمييز، فيما عدا اختلاف العقيدة، لم تكن مطروحة فى أى لحظة من اللحظات.

فى قريتى، فى الدلتا، لم توجد سوى عائلة مسيحية واحدة احتفظت ببيت حجرى متميز، تدير من خلاله أراضى تملكتها فى زمام القرية، كان فؤاد حفيد رب هذه العائلة، زميلى فى المدرسة لا يميزه أو يفرقه أى شىء عن سائر الزملاء المسلمين. وأتذكر أنه عندما قام جدى بإجراء توسعات فى المسجد، الذى بناه جاءه جد فؤاد عارضا مشاركة سخية فشكره جدى على مشاعره ومبادرته وقدرها أهل القرية أجمل التقدير.

وفى وطيس مواجهات حرب السادس من أكتوبر المجيدة وأثناء تقدمى كضابط احتياط على رأس مجموعة من مقاتلى فصيلتى، وجدت أمامى العربة المدرعة لقائد اللواء، العميد شفيق مترى سدراك، فأعطيته التمام وطلبت توجيهاته وأنا فى طريقى لخط المواجهة الأول، فأمرنى بأسلوب أبوى جلى بأن أتقدم أولا لتفتيش مركز قيادة العدو الحصين القريب، الذى هربت منه قوات العدو منذ قليل، وأن أقدم له تقريرا عنه، وبعدها أسرع بالانضمام لكتيبتى فى الخط الأول، وهو ما فعلته، غير أننا عرفنا فى ذات المساء باستشهاد قائد لوائنا، بعدما استهدفت عربته قذائف العدو، التى لم تفرق أبدا ولن تفرق بين المصريين وفقا لديانتهم أو أصولهم أو ألوانهم، وبعد أسابيع من الحرب شاركنى الملجأ، الذى أبيت فيه ملازم تخرّج لتوه فى الكلية الحربية هو وهبة، من حى الظاهر ليشع مرحا وطيبة وصداقة فى حياتنا الموحشة فى الصحراء. وكانت أول شقة أستأجرها فى الجيزة ضمن عمارة مملوكة لتاجر مسيحى ومعظم جيرانى مسيحيون، ومن بينهم وقتها فنان الكاريكاتير رمسيس.

وبعد ذلك بسنوات قليلة وفى بداية بعثة الدكتوراة فى فرنسا، اخترت أنا وزميلى جورج أن نقيم معا فى مسكن مشترك أثناء فترة دراسة اللغة فى مدينة فيشى، مع وجود العديد من الزملاء المسلمين، دون أن يخطر على بالى لحظة واحدة شعور بأنه مختلف عن الآخرين. وكان أول مسجد أصلى فيه فى مدينة كليرمو فيران، جناحا تابعا لكنيسة كاثوليكية.
وعندما عدت من البعثة وجدت أن العميد الجديد لكلية الحقوق بجامعة المنصورة هو الدكتور ثروت جرجس، وكان المسيحى الوحيد ضمن أعضاء هيئة التدريس، ولكنه كان الاختيار الأوفق، الذى لم يثر أى دهشة فى نفوسنا. وبعدها بسنوات عندما عرضت على ترشيحات لقيادات تعليمية لحضور دورة تدريبية، لشغل الوظائف القيادية فى المحافظات، حرصت على أن يكون بينها عدد من المسيحيين، رغم تأخر ترتيبهم نسبيا فى كشوف الترشيحات تدعيما لحق الجميع فى الفرص المتساوية، وربما أحيانا التمييز عليها، إن لزم الأمر.

وفى كل الوقت كان ولايزال هناك الزملاء والأصدقاء والأحباء المسيحيون جنبا إلى جنب مع المسلمين، يزينون حياتنا ويضفون الدفء.

هذه الخواطر، التى وددت التعبير عنها بعفوية، هى مجرد مثال لما يحمله كل منا فى ذاكرته ومشاعره تجاه شركاء الوطن الأعزاء، ومن هنا نحن لا نفهم هذا التوتر الطارئ ومشاعر الحذر المتنامية، التى تغذيها مثل تلك الحوادث الإرهابية التى تروع المواطنين الآمنين. فى تصورى أن حل كل المسائل المعلقة ميسور وواجب، فى إطار الدولة المدنية القوية، التى تحقق العدالة بين المواطنين وتحترم مبادئ حقوق الإنسان ونصوص الدستور الصريحة فى فرض مبدأ المساواة بين الجميع.